الآلوسي

144

تفسير الآلوسي

حين تعرض حسناتهم على رؤس الأشهاد وأمر السين على ذلك ظاهر . ولعل أفراد هذا الوعد من بين ما سيولون يوم القيامة من الكرامات السنية لما أن الكفرة سيقع بينهم يومئذ تباغض وتضاد وتقاطع وتلاعن ، وذكر في وجه الربط أنه لما فصلت قبائح أحوال الكفرة عقب ذلك بذكر محاسن أحوال المؤمنين ، وقد يقال فيه بناء على أن ذلك في الآخرة : إنه جل شأنه لما أخبر بإتيان كل من أهل السماوات والأرض إليه سبحانه يوم القيامة فرداً آنس المؤمنين بأنه جل وعلا يجعل لهم ذلك اليوم وداً ، وفسره ابن عطية على هذا الوجه بمحبته تعالى إياهم وأراد منها إكرامه تعالى إياهم ومغفرته سبحانه وتعالى ذنوبهم ، وجوز أن يكون الوعد يجعل الود في الدنيا والآخرة ولا أراه بعيداً عن الصواب . ولا يأبى هذا ولا ما قبله التعرض لعنوان الرحمانية لجواز أن يدعى العموم فقد جاء يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما . وقرأ أبو الحرث الحنفي * ( وداً ) * بفتح الواو وقرأ جناح بن حبيش * ( وداً ) * بكسرها وكل ذلك لغة فيه وكذا في الوداد . * ( فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ) * * ( فَإنَّمَا يَسَّرْنَاهُ ) * أي القرآن بأن أنزلناه * ( بلسَانكَ ) * أي بلغتك وهو في ذلك مجاز مشهور والباء بمعنى على أو على أصله وهو الإلصاق لتضمين * ( يسرنا ) * معنى أنزلنا أي يسرناه منزلين له بلغتك ، والفاء لتعليل أمر ينساق إليه النظم الكريم كأنه قيل : بعد إيحاء هذه السورة الكريمة بلغ هذا المنزل وأبر به وأنذر فإنما يسرناه بلسانك العرب المبين * ( لتُبشِّرَ به الْمُتَّقينَ ) * المتصفين بالتقوى لامتثال ما فيه من الأمر والنهي أو الصائرين إليها على أنه من مجاز الأول * ( وَتُنْذرَ به قَوْماً لُّداً ) * لا يؤمنون به لجاجاً وعناداً ، واللد جمع الألد وهو كما قال الراغب : الخصم الشديد التأبي ، وأصله الشديد اللديد أي صفحة العنق وذلك إذا لم يمكن صرفه عما يريده . وعن قتادة اللد ذو الجدل بالباطل الآخذون في كل لديد أي جانب بالمراء ، وعن ابن عباس تفسير اللديا بالظلمة ، وعن مجاهد تفسيره بالفجار ، وعن الحسن تفسيره بالصم ، وعن أبي صالح تفسيره بالعوج وكل ذلك تفسير باللازم ؛ والمراد بهم أهل مكة كما روى عن قتادة . * ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) * * ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنْ قَرْن ) * وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ضمن وعيد هؤلاء القوم بالإهلاك وحث له عليه الصلاة والسلام على الإنذار أي قرناً كثيراً أهلكنا قبل هؤلاء المعاندي * ( هَلْ تُحسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَد ) * استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، والاستفهام في معنى النفي أي ما تشعر بأحد منهم . وقرأ أبو حيولا . وأبو حرية . وابن أبي عبلة . وأبو جعفر المدني * ( تحس ) * بفتح التاء وضم الحاء * ( أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ ركْزاً ) * أي صوتاً خفياً وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض والركاز للمال المدفون ، وخص بعضهم الركز بالصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم ، والأكثرون على الأول ، وخص الصوت الخفي لأنه الأصل الأكثر ولأن الأثر الخفي إذا زال فزوال غيره بطريق الأولى . والمعنى أهلكناهم بالكلية واستأصلناهم بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع منهم صوتاً خفياً فضلاً عن غيره ، وقيل : المعنى أهلكناهم بالكلية بحيث لا ترى منهم أحداً ولا تسمع من يخبر عنهم ويذكرهم بصوت خفي ، والحاصل أهلكناهم فلا عين ولا خبر ، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب .